ابن المقفع

304

آثار ابن المقفع

كنت مكافئا بالعداوة والضرر فإياك أن تكافىء عداوة السر بعداوة العلانية وعداوة الخاصة بعداوة العامة فان ذلك هو الظلم والعار . واعلم مع ذلك أنه ليس كل العداوة والضرر يكافأ بمثله ! كالخيانة لا تكافأ بالخيانة والسرقة لا تكافأ بالسرقة ، ومن الحيلة في امرك مع عدوك أن تصادق أصدقاءه وتؤاخي اخوانه فتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتجافي ، فإنه ليس رجل ذو طرق « 1 » يمتنع من مؤاخاتك إذا التمست ذلك منه ، وان كان اخوان عدوك غير ذوي طرق فلا عدو لك . لا تدع مع السكوت عن شتم عدوك احصاء معايبه ومثالبه ، واتباع عوراته حتى لا يشذ عنك من ذلك صغير ولا كبير ، من غير أن تشيع عليه فيتقيك به ويستعد له ، أو تذكره في غير موضعه فتكون كمستعرض الهواء بنبله قبل امكان الرمي . لا تتخذ اللعن والشتم على عدوك سلاحا فإنه لا يجرح في نفس ولا في مال ولا دين ولا منزلة . إن أردت أن تكون داهيا فلا تحبنّ أن تسمى داهيا ، فإنه من عرف بالدهاء خاتل علانية وحذره الناس حتى يمتنع منه الضعيف ، وان من إرب الاريب دفن إربه ما استطاع حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة والاستقامة في الطريقة ومن إربه ألا يؤارب العاقل المستقيم له الذي يطلع على غامض أربه فيمقته عليه . ان أردت السلامة فاشعر قلبك الهيبة للأمور من غير أن تظهر منك الهيبة ، فيفطن الناس لهيبتك ، وتجرئهم عليك ، ويدعو ذلك إليك منهم كل ما تهاب ، فأشعب لمداراة ذلك من كتمان المهابة واظهار الجراءة والتهاون

--> ( 1 ) الطرق بفتح فسكون ضعف العقل وقد طرق كعني فهو مطروق ويقال فلان به طرقة اي هوج . وطرق فلان وأخذ في التطريق إذا احتال .